السياحة والثقافة في اليمن

أربعاء, 06/25/2014 - 23:38

العالمية للسياحة - عن كتاب النفط و الغاز الذي أصدرته صحيفة يمن أوبزرفر - يونيو 2002
في أحد الأيام عام 1979 زرت محاميا شهيرا في روما. عرف عن المحامي أنه كثير الترحال ومستكشف لا يشق له غبار، إضافة إلى خبرته الواسعة بالناس وبالثقافات المختلفة، و سأله بصراحة عن أجمل بلد كان قد رآه، فأجاب بلا توان: اليمن". ولا زال هذا هو الحال بعد 30 عاما فلو سألت سائحا يغادر مطار صنعاء عن رحلته في ربوع هذا البلد لأجابك أنه قد طاف العالم لكنه لم ير بلدا أجمل من اليمن .
بينت نتائج استبيان وزع على سواح، ورجال أعمال، ومسافرين خلال الأعوام القليلة الماضية أن اليمن هي حقا بلد رائع واستثنائي. لكن في الحقيقة الناس هم الذين جعلوها فريدة من نوعها. فالزائر الذي يأتي إلى هذا البلد للمرة الأولى يكتشف حضارة قديمة ونقية غير معروفة للكثيرين إضافة إلى لطف السكان الذين يتميزون بثقافته أصيلة وكرم الضيافة مع خصيصة حب الإستطلاع التي تأسر الوافد الغريب. هذه التجربة تحول الهروب من الضغوط اليومية للعصر الحالي إلى اكتشاف بالغ الإثارة لقيم وتقاليد اليمنيين التي يجهلها الكثير من الناس في شتى أرجاء العالم .
ما يشد إنتباه السائح و يجذبهم هو بساطة وهدوء الناس الذين يستقبلونه دون تحفظ مع كرم ضيافة كبير. ومع مرور الأيام يتبين أكثر فأكثر انفتاح الناس وترحيبهم بالزائرين. ويقوم بسرور اليمنيون بإشباع فضول السواح لكنهم يضلون فخورين بكونهم يمنيون. بالسفر في ربوع اليمن يشعر الزائر بأنه أول شخص يأتي إلى اليمن لكن كلا من الزائرين السائحين على السواء يشعرون وكأنهم في وطنهم كما لو أن السياحة قد ازدهرت هنا منذ عصور. نجاح السياحة يكمن في التفاصيل التي تجعل الترحال شيئا لا ينسى. فاللطف، وكرم الضيافة، وروح الدعابة، و الفكاهه، والفخر كلها تصدر من أناس ارتبط تاريخ أمتهم بواحدة من أعرق و أزهى الحضارات. إنها من أغنى البلدان ثقافة في المنطقة .
تضاريس اليمن الجميلة تجعلها قبلة لا يتجاوزها الزائرين من بين كل الدول العربية. وهذا يمثل أساسا للصناعة السياحية التي من المتوقع أن تصبح جزءا هاما في اقتصاد هذا البلد. كموطن لحضارة قديمة تدخل القرن الواحد والعشرين وكأنها لم تتغير حضارتها على امتداد خمسة آلاف عام من التاريخ .
اهم الفترات التاريخية لهذا البلد مازالت حاضرة وموجودة لم يغيرها الزمن أو المتغيرات الأخرى. إنها كنز متناغم من مكونات الطبيعة والثقافة و المناظر الخلابة والشواهد التاريخية إضافة إلى العادات والتقاليد التي تعيش جنبا إلى جنب في تناغم كبير حتى اللحظة. هذا المزيج النادر أصبح ممكنا نظرا للتاريخ الثري الذي ربط لقرون مديدة الثقافات الشرقية والغربية والأفريقية معا .
هذا المزيج النادر يشمل أيضاً مملكة سبأ والملوك الثلاثة وجنة عدن وجزيرة سقطرى وطرق البخور والبهارات وطريق البن ومنشأ الإسلام كما احتوت على أولى ناطحات السحاب والسدود في العالم. إنها الأرض الغامضة, حيث كانت توجد المدن المغطاة بالذهب وحيث كان البلد كله حديقة هائلة وحيث كانت الثروات ملكاً للجميع في حين لم يكن يسمح لغير أبناء البلد بالدخول إليها. كل هذه الأشياء جعلت هذه الأرض أسطورية وما زالت كذلك حتى يومنا هذا. ولم تفتح اليمن أبوابها حتى عام 1960 عندما دخلها أول الزائرين. لكن السواح لم يأتوا إلى اليمن إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي , لكنهم عادوا إلى أوطانهم مفعمين بالإعجاب يحدوهم الشوق لإخبار أهليهم وذويهم عما رأوه في هذا البلد .
لسنوات طويلة كانت السياحة إحدى أولويات الحكومة اليمنية. ففي الثمانينات، تم انشاء وكالة سياحة و في التسعينات استحدثت وزارة للسياحة و البيبئة و بالرغم من حداثة هذه الوزارة فانها بالتقادم أصبحت اليوم من الوزارات ذات النشاط الكبير في عمل حملات ترويجية متعددة بمساعدة القطاع الخاص و قد ساهمت هذه الوزارة بشكل فعال في النمو: ازداد عدد السياح في كل سنة من 10000 في بداية الثمانينات الى 40000- 50000 ما بين 1991- 1998 اي كانت الزيادة 10% لكل سنة و كان هنالك تغيير ما بين 70000-80000 لهذه السنة و السنة التالية قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر. يجب ان يؤخذ بعين الاعتبار السفر لاغراض العمل و التي حافظت على عدد اجمالي من 80000 - 90000 سائح لكل سنة في التسعينيات. التكهن باعداد السياح للعام الجاري 2003 هو ما يتراوح بين 110000-130000 .
الفرنسيون كانوا من اوائل السواح في السبعينات على الاغلب، ثم تلاهم الألمان و الإيطاليون في الثمانينات بالاضافة الى الأمريكان، و البريطانيون، و الأسبان، و البلجيكيون والنمساويون. إمتد نفوذ الأتراك إلى اليمن حديثاً اضافة الى لبنان، و البحرين، و سوريا ودول اسيوية اخرى مما ترك أثاراً بارزة للأتراك في اليمن. الخطوط الجوية اليمنية الوطنية(اليمنية) لها دور فعال و رئيسي ساهم و يساهم في انعاش السياحة في البلد اذ لديها طيران متواصل مع المدن الاوربية الرئيسية و المناطق المجاورة مثل دار السلام، و اديس ابابا، و دبي، و جاكارتا و كوالالمبور . هذه المحطات جعلت اليمن محطة ملائم في الطريق الملاحي الى محطات اخرى بعد أداء زيارة قصيرة إلى صنعاء والمناطق المجاورة . ان الخطوط اليمنية هي بمثابة السفير الطويل الامد لليمن حيث تعمل الخطوط اليمنية بالتنسيق مع وزارة الثقافة و السياحة ( بالمسمى الجديد) لعمل حملات ترويجية عالمية .
في السنوات الاخيرة، تم انشاء هيئة الترويج السياحي لتحسين و تنسيق التفاعل بين الوزارة والخطوط الجوية والقطاع الخاص. تم بناء فنادق جديدة في البلد و حسنت السعة الاستيعابية والسماح بتوزيع افضل للسياح على مناطق مختلفة من البلاد و قد ساهمت هذه في السماح للمزيد من السياح المتلهفين لزيرة مناطق لم تدرج في ادلة السواح ووفرت امكانيات جديدة للاشخاص الذين زاروا اليمن بالعودة اليها وزيارة المناطق التي كان يتعذر الوصول اليها بسبب عدم توفر وسائل السكن فيها. ان شبكة الطرق و خطوط الاتصالات الجديدية التي صممت في بداية التسعينات قد ساعدت على استكشاف واسع النطاق للبلاد و الذي يدعو للبقاء لفترة أطول .
كانت الزيارة للبلد في السبعينات تستغرق ستة أو سبعة ايام اما اليوم، فان معدل البقاء في البلد للسائح الغربي او الاوربي هي حوالي 10 أيام و مع ذلك فان الرغبة بالبقاء لـ 14-16 يوماُ في ازدياد مستمر. يغطي الدليل المتوسط عادةً اغلب المناطق الداخلية للبلد ماعدا المناطق الساحلية ويتوقع في المستقبل ان يقضي السائح 14-16 على اليابسة اضافة الى خمسة او سبعة ايام استرخاء على الساحل وهذا يزيد من متوسط البقاء الذي قد يصل الى 20 يوماً و هذا يجعل من اليمن واحدة من المناطق السياحية المتكاملة في المنطقة التي تجتمع فيها السياحة الثقافية مع الطبيعة الفائقة والمتعة الساحلية .
في الوقت الحاضر، فقط مدن عدن و المكلا تستطيع ان توفر او تجهز وسائل الراحة للسائح الذي يبحث عن الراحة والشواطىء المشمسة. يمتلك اليمن واحدة من اجمل السواحل في شبه الجزيرة العربية و خصوصاً الذي
يمتد على طول المحيط الهندي و بالتاكيد سوف تصبح استثماراُ ممتازاُ لاقتصاد البلد. ان عمل مجمع سياحي شامل على امتداد الساحل مبني وفقاُ الى ارقى المقاييس البيئية سوف يضاعف التقديرات المخطط لها وجذب المزيد من السياح الذين يمزجون بين الاستكشاف و الاسترخاء على الشاطىء .
إن الاستثمار المتزايد في الفنادق وأماكن الإقامة يتلوه عادة انخفاض أسعار التموينات والخدمات. ظل هدف اليمن الدائم هو أن تكون قبلة ثقافية للزائرين في المنطقة، أي سوق لها، عملائها الكبار الذين يرغبون في أن يدفعون أكثر ليتجاوزون القبلات المكتظة بالسياح. ولذا كانت سياسة وزارة السياحة دائما تهدف إلى جذب السياح القادرين على شراء كل مستلزماتهم. وتتجاوز هذه السياسة الزوار الذين لايمكن أن يساهموا في النمو الاقتصاد وعلى المدى البعيد تؤدي إلى سياحة كبيرة والتي بدورها تؤدي حتما إلى انخفاض الأسعار. وبما أن السياحة هي من موارد الاقتصاد الرئيسة في اليمن، فقد قامت الحكومة و الوزارة في الأعوام الأخيرة بتطوير سياسة لحماية مقومات السياحة الطبيعية والثقافية وذلك بالتعاون مع الدول والمنظمات المانحة في كل أرجاء العالم. وفي المستقبل القريب، ستساعد سياسة الحمايه هذه في ترسيخ الصناعة السياحية وإيجاد رأسمال ثقافي وتحقيق نتائج إيجابية في القطاعات الأخرى. أضف إلى ذلك أن هذا النوع من السياسة يؤمن وجود أفضل ما يمكن أن يحققه البلد من الاستثمار : وذلك بفضل تراثه الثقافي الفريد والذي لا يقدر بثمن .
في الثمانينيات صنفت منظمة اليونسكو مدينتي صنعاء وشبام ضمن قائمة مناطق التراث العالمي. وفي التسعينيات أضيفت مدينة زبيد إلى هذه القائمة. وقدمت للمنظمة دراسة جدوى يمكن أن تؤدي إلى إضافة العديد من المواقع التاريخية إلى القائمة وهو الأمر الذي يمكن أن يجعل اليمن صاحبة أكثر المواقع التاريخية من بين بلدان هذه المنطقة. ويمكن أن يتم الإعلان قريبا عن سقطرة, وحراز وهمدان, وبرع ووادي دوعن كمنتزهات ثقافية ذات شهرة عالمية خصوصاً بعد إعلان بعضها محميات طبيعية. ويمكن لهذا أن يبرز اسم اليمن كثيرا في خارطة العالم السياحية ويروج لها كقبلة للزائرين . ولا تزال بالتأكيد ثمة حاجة لعمل الكثير, وإذا اشتملت سياسة السياحة على حملة ترويجية لحماية البيئة و التراث الثقافي, فإن اليمن قد تصير باكرا مقصدا لخيرة الزائرين من ذوي الأغراض الثقافية في زيارتهم وبذا ستكون اليمن قبلة الزائرين الرئيسة من أجل السياحة الراقية في المنطقة. يمكن أن يتحقق الهدف في المستقبل القريب, جاعلا الصناعة السياحية على قمة هرم الاقتصاد الوطني. إن السياسة الواعية التي تروج لسياحة راقية وحماية فعالة لمقومات السياحة الطبيعية والثقافية ستحسن صورة اليمن في الخارج. إن الصورة الثقافية والاجتماعية والسياسية الجديدة للاستقرار والرخاء في اليمن يمكن أن تكون هي الصفة المميزة الجديدة ليمن الألفية الثالثة . وبما أنها مهد الحضارة في الجزيرة لعربية ومرجعا تاريخيا وثقافيا للإسلام والحضارة العربية, فإنها - اليمن- تمثل نموذجا لتلك البلدان التي تعتمد على فقط على تنمية لا محدودة لمدة سنين لا تتعلق بالحفاظ على تواريخ, ومورثات وتقاليد ضرورية لنمو البلاد الصحيح. ربما يكون واقعيا أن تتخيل عن اليمن أنها بلد تواكب العولمة كبلد لكل أولئك الذين ينظرون إلى المستقبل بعين وإلى الماضي بالأخرى. يمكن أن تكون البلاد, بمعجزة ما, البلد الذي يبقي فيه التاريخ على نغم ولحن مختلفان, ليقدم بذلك بلد جميل وإمكانية المعايشة السهلة للماضي والمستقبل. ويبقى الماضي شهادة حاضرة على وجود الحضارة العظيمة, بينما يحفظ الحاضر التقاليد و مواريث قرون لكي يقدم لأحفادنا أرض يفخرون بها .




shadow